الغزالي

89

إحياء علوم الدين

في بنائها بيتها ، وفي جمعها غذاءها ، وفي إلفها لزوجها . وفي ادخارها لنفسها وفي حذفها في هندسة بيتها ، وفي ، هدايتها إلى حاجاتها لم تقدر على ذلك فترى العنكبوت يبنى بيته على طرف نهر ، فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه ، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ، ثم يبتدئ ويلقى اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به ، ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ، ثم كذلك يتردد ثانيا وثالثا ، ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا ، حتى إذا أحكم معاقد القمط ، ورتّب الخيوط كالسّدى ، اشتغل باللحمة ، فيضع اللحمة على السّدى ويضيف بعضه إلى بعض ، ويحكم العقد على موضع التقاء اللحمة بالسدى ، ويراعى في جميع ذلك تناسب الهندسة ، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب ، ويقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة ، فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله ، فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ، ووصل بين طرفي الزاوية بخيط ، ثم علق نفسه فيها بخيط آخر ، وبقي منكسا في الهواء ينتظر ذبابة تطير ، فإذا طارت رمى بنفسه إليه فأخذه ، ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى أفترى أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه ؟ أو تكوّن بنفسه ؟ أو كوّنه آدمي أو علمه ؟ أو لا هادي له ولا معلم ؟ أفيشك ذو بصيرة في أنه مسكين ، ضعيف ، عاجز ، بل الفيل ، العظيم شخصه ، الظاهرة قوته ، عاجز عن أمر نفسه ، فكيف هذا الحيوان الضعيف ؟ أفلا يشهد هو بشكله ، وصورته ، وحركته ، وهدايته ، وعجائب صنعته لفاطره الحكيم ، وخالقه القادر العليم ؟ فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر ، وجلاله ، وكمال قدرته وحكمته ما تتحيّر فيه الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات ، وأشكالها ، وأخلاقها ، وطباعها غير محصورة ، وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهد . نعم إذا رأى حيوانا غريبا ولو دودا تجدد تعجبه ، وقال : سبحان الله ما أعجبه ، والإنسان أعجب الحيوانات